الشنقيطي

54

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الموضع الثالث في سورة هود ، ومع شعيب أيضا : * وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ( 84 ) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 85 ) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [ هود : 84 - 86 ] . وبنفس الأسلوب أيضا كما تقدم ، ربطه بعبادة اللّه تعالى وحده ، وتكرار الأمر بعد النهي ، ولا تنقصوا المكيال والميزان ، ثم أوفوا الكيل والميزان بالقسط نهي عن نقصه ، وأمر بإيفائه نص على المفهوم بالتأكيد . ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، مع التوجيه بأن ما عند اللّه خير لهم . الموضع الرابع في سورة بني إسرائيل وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [ الإسراء : 29 ] ، أي اعتدال في الإنفاق مع نفسه ، فضلا عن غيره ، ثم إن اللّه يبسط الرزق لمن يشاء ، ثم وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [ الإسراء : 31 ] ، وكلها في مجال الافتصاد وبعدها وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [ الإسراء : 32 - 33 ] . وقد يكون الباعث عليهما أيضا غرض مالي وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ الإسراء : 34 ] ، وهو من أخص أبواب المال . ثم الوفاء بالعهد ثم وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [ الإسراء : 35 ] ، فمع ضروريات الحياة حفظ النفس والعرض والمال يأتي الحفاظ على الكيل والوزن . الموضع الخامس في سورة الشورى وهو أعم مما تقدم ، وجعله مقرونا بإنزال الكتاب في قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [ الشورى : 17 ] . وتكلم الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه عند هذه الآية ، بما أشرنا إلى أنه عام ، فقال : الميزان هنا مراد به العدل والإنصاف ، وأن هذا المعنى متضمن آلة الوزن وزيادة .